السيد كمال الحيدري

337

أصول التفسير والتأويل

قياس استثنائي له مقدّم وتال ، فلابدّ إذن من إثبات أمرين : الأوّل : التلازم بين المقدّم والتالي . الثاني : بطلان التالي . بتطبيق هذه الآلية البرهانية على المقام ، يكون المطلوب أوّلًا إثبات التلازم بين تعدّد الآلهة والأرباب وبين فساد السماوات والأرض ، ثمّ ثانياً إثبات أنّ السماوات والأرض ليست فاسدة وإنّما هي على نظم واحد متقن الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( السجدة : 7 ) كما قوله : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ( النمل : 88 ) . بالنسبة للأمر الأوّل الماثل في إثبات التلازم بين تعدّد الآلهة وفساد السماوات والأرض ، نجد أنّ فكر المسلمين قد ذكر وجوهاً عدّة تكشف عن عمق تفكيرهم في هذه المجالات ، نختار أحدها . نقطة البداية في هذا الوجه : لو فرضنا تعدّد الآلهة ، فمعنى ذلك أنّ كلّ إله يخلق ما ينسجم معه ويسانخه ويشاكله ، وذلك لما ثبت في محلّه عقلًا ونقلًا ، ويكفينا في ذلك ما ينصّ عليه القرآن صراحةً في قوله : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ( الإسراء : 84 ) ، فلو كان الآلهة متعدّدين فسيتصرّف كلّ إله على شاكلته ، والنتيجة سيرتبط كلّ جزء من العالم بإلهه ، فهذا الجزء يرتبط بإلهه وذاك بإلهه وهكذا ، وحينئذ لا تترابط أجزاء العالم في نسيج نظام واحد ولا يسوده النظام الكلّى العامّ ، وهذا معناه فساد السماوات والأرض ، حيث يأخذ كلّ إله بجزء . وهذا ما أبانه القرآن نفسه على نحو استدلالىّ واضح كما في الآية الكريمة : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ( المؤمنون : 91 ) ، فلو كان مع الله آلهة أُخرى تشترك في الربوبيّة